الشيخ محمد رشيد رضا

258

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لخطيئتهم ، وسبيل اللّه هي طريق الحق والانتصار له فمنه إعلاء كلمة اللّه ونشر دعوة الاسلام ، ومنه دفاع الأعداء إذا هددوا أمتنا ، أو أغاروا على أرضنا ، أو نهبوا أموالنا ، أو صادرونا في تجارتنا ، وصدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس فسبيل اللّه عبارة عن تأييد الحق الذي قرره ويدخل فيه كل ما ذكرناه . ويشرون بمعنى يبيعون قولا واحدا بلا احتمال ، واستعمال القرآن فيه مطرد ففي سورة يوسف ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) أي باعوه وقال تعالى ( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) أي باعوها وقال ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ) اي يبيعها ، والباء في صيغة البيع تدخل على الثمن دائما ، فالمعنى ان من أراد ان يبيع الحياة الدنيا ويبذلها ويجعل الآخرة ثمنا لها وبدلا عنها فليقاتل في سبيل اللّه أقول إن المفسرين ذكروا في ( يشرون ) وجهين أحدهما انه بمعنى البيع كما اختار الأستاذ الامام والثاني أنه بمعنى الابتياع الذي يطلق عليه في عرفنا الآن الشراء . وقد قال المفسرون ان شرى بشري يستعمل بمعنى باع وبمعنى ابتاع وان اللفظ في الآية يحتمل المعنيين فان أريد به البيع فهو للمؤمنين الصادقين الكاملين وان أريد به الابتياع فهو لأولئك المبطئين ليتوبوا . وذهب الراغب إلى أن الشراء والبيع انما يستعملان بمعنى واحد في التعبير عن استبدال سلعة بسلعة دون استبدال سلعة بدارهم . والقرآن استعمل لفظ شرى يشري بمعنى باع يبيع ، واشترى يشتري بمعنى ابتاع يبتاع ، فهذا هو الصحيح أو الفصيح وان ورد عن أهل اللغة « شريت بردا » بمعنى اشتريته في الشعر بدون ذكر الثمن . وقد يذكر الثمن أو البدل وقد يسكت عنه وهو ما تدخل عليه الباء دائما سواء استعمل الشراء والبيع في الحسيات أو المعنويات . وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي ومتى كان القتال في سبيل اللّه لا لأجل الحمية والحظوظ الدنيوية فكل من قتل بظفر عدوه به ففاته الانتفاع بالقتال في الدنيا فان اللّه تعالى يعطيه في الآخرة أجرا عظيما بدلا مما فاته . وهو إذا ظفر وغلب عدوه لا يفوته ذلك الاجر لأنه انما ناله